سهيلة عبد الباعث الترجمان
310
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
مهما كانت تجلياته في صور العالم . وهذا معنى قوله : " كذلك وجود الحق كانت الكثرة له ، وتعداد الأسماء أنه كذا وكذا بما ظهر عنه في العالم الذي يطلب بنشأته حقائق الأسماء الإلهية ، فثبت به وبخالقه أحدية الكثرة ، وقد كان أحديّ العين من حيث ذاته كالجوهر الهيولاني أحديّ العين من حيث ذاته ، كثير بالصور الظاهرة فيه ، التي هو حامل لها بذاته . كذلك الحق بما ظهر فيه من صور التجلي ، فكان مجلى صور العالم مع الأحدية المعقولة " « 1 » . ويعمد ابن عربي إلى تقريب ذلك إلى الأذهان بصورة حسية ، فيضرب لذلك مثل تعدّد أزواج النبات الخارج من الأرض بعد اهتزازها ونموها وإنباتها كما قال عز وجل : وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ « 2 » . كذلك تعددت مظاهر الكثرة في الواحد الحق بتعدد الأسماء التي تقتضيها أعيان الممكنات الظاهرة بها ، وهي في الحقيقة عين واحدة لا كثرة فيها ، فالأرض واحدة بالحقيقة كثيرة بالمظاهر الخارجة عنها ، كذلك الحق واحد بالحقيقة كثير بالمظاهر وفيه قوله : " إعلم أن مسمّى اللّه أحديّ بالذات كلّ بالأسماء ، وكل موجود فما له من اللّه إلا ربه خاصة ، يستحيل أن يكون له الكل ، وأما الأحدية الإلهية فما لواحد فيها قدم ، فأحديته مجموع كله بالقوة " « 3 » . ويرى القاشاني في هذا تثبيتا للأسماء الإلهية بالعالم ، ولكن هذه الإثنينية مخالفة لأحدية الكثرة التي هي له لذاته . وقد ذهب القيصري مذهبا آخر في ذلك ، فقرأها " فثبت به وبخالقه أحدية الكثرة " وشرح ذلك بقوله : أي فثبت بالعالم والحق الذي هو خالقه أحدية الكثرة ، أي أن مسمى اللّه أحديّ بالذات كل بالأسماء والصفات « 4 » . فأحدية اللّه إذن من حيث الأسماء الإلهية التي تطلب أحدية الكثرة ، وأحدية اللّه من حيث الغنى عنا وعن الأسماء أحدية العين ، وكلاهما يطلق عليه الاسم الأحد « 5 » . ويقول عفيفي في هذا الشأن : فثبت به وبخالقه
--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 200 . ( انظر ابن عطاء اللّه السكندري وتصوفه لأبو الوفا التفتازاني ، ص 311 ) . ( 2 ) سورة الحج ، الآية : 5 م . ( 3 ) المصدر السابق ، الفص الإسماعيلي . ( انظر أبو العلا عفيفي ، التعليقات ، ص 90 ) . ( 4 ) القاشاني ، شرح على الفصوص ، مصدر سابق ، ص 114 . ( 5 ) التفتازاني ( أبو الوفا ) ، مرجع سابق ، ص 311 .